الشيخ المحمودي
368
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
الهجري وأمثالهم كانوا يعلمون علم المنايا والبلايا ، فكيف لا يعلمه قوّام دين اللّه ، وحفّاظ الشريعة الخالدة ؟ ! فإن قلت : قد دلّت غير واحدة من الآيات القرآنية على أنّ الغيب للّه ، وأنّ مفاتح الغيب عند اللّه ، وأنّه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلّا اللّه ، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات فكيف يصحّ ادّعاء إجماع أهل البيت على أنّهم يعلمون الغيب ؟ قلت : إنّ كلّ واحدة من الآيات ناظرة إلى جهة خاصة لا تنافي اتفاق أئمة أهل البيت عليهم السّلام على أنّهم يعلمون الغيب ، وحيث لا مجال لنا فعلا لبيان تلك الجهات الخاصة الّتي كانت ملحوظة في الآيات المذكورة ، فلنذكر ما هو أقرب لتفنيد تلك المزعمة ، وأسهل لعرفان صحة ما أجمع عليه خزّان علم اللّه ، وورثة رسول اللّه ، فنقول : إنّ القرآن المقدّس مشحون بالإخبار بالغيب ، وكذلك تواتر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه أخبر بالغيب ثم وقع الأمر على ما أخبر به ؛ أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّ أبا لهب يموت على الكفر ، وسيصلى هو وامرأته نارا ذات لهب [ كما في سورة المسد ] وأخبر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّ جماعة المستهزئين سيهلكون ، قال اللّه تعالى : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ وأخبر أن جماعة معهودة من الكفار لا يؤمنون ، كما في الآية 6 من سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، وأخبر أن الكفّار سيغلبون ويموتون على الكفر ، كما في قوله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ [ آل عمران / 12 ] وأخبر أن الفرس سيغلبون بعد غلبتهم وظفرهم ، وأن الروم سيغلبون بعد مغلوبيتهم وانهزامهم ، قال اللّه تعالى ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ إلى غير ذلك من الآيات ، ولعلّ الأخبار الغيبية لا تقل عن عشر القرآن المقدّس ، فإن كنت قاصر الهمة عن لحاظها بجملتها ، فالحظ على الأقل سورة الفتح ، فإنّ فيها عدّة أخبار غيبية تغنيك عن ملاحظة سائر الآيات ، وعمّا أخبره